الثعلبي
153
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )
ظهراني سوقها فيسمع ناساً كثيرين يحلفون باسم عيسى بن مريم ، فزادهُ فرقاً فرأى أنه حيران ، فقام مسنداً ظهره إلى جدار من جدر المدينة ويقول في نفسه : والله ما أدري ما هذا ، أمّا عشية أمسِ فليس على الأرض إنسان يذكر عيسى بن مريم إلاّ قتل ، وأمّا الغداة فأسمعهم وكلّ إنسان يذكر أمر عيسى ولا يخاف . ثمّ قال في نفسه : لعلّ هذه المدينة ليست بالمدينة التي أعرفها اسمع كلام أهلها ولا أعرف أحداً منهم والله ما أعلم مدينة قرب مدينتنا فقام كالحيران لا يتوجّه وجهاً ، ثمّ لقي فتىً من أهل المدينة ، فقال : ما اسم هذه المدينة يا فتى ؟ قال : دفسُوس . فقال في نفسه : لعل بي مسّاً أو أمراً أذهب عقلي ، والله يحقّ لي أن أُسرع بالخروج منها قبل أن أُخزى أو يصيبني شر فأهلك . هذا الذي حدّث به تمليخا أصحابه حين تبين له حالهم . ثمّ إنّه أفاق فقال : والله لو عجّلت الخروج منها قبل أن يفطن بي لكان أكيس بي . فدنا من الذين يبيعون الطعام فأخرج الورق التي كانت معه فأعطاها رجلاً منهم ، فقال : يا عبد الله ، بعني بهذا الورق طعاماً . فأخذها الرجل فنظر إلى ضرب الورق ونقشها ، فعجب منها ثمّ طرحها إلى رجل من أصحابه ، فنظر إليها . ثمّ جعلوا يتطارحونها من رجل إلى رجل ، ويعجبون منها ، ثمّ جعلوا يتسارّون من أجله ، ففرق فرقاً شديداً وجعل يرتعد ويظن أنهم فطنوا به وعرفوه ، وأنهم إنما يريدون أن يذهبوا به إلى ملكهم دقيانوس ، وجعل أُناس آخرون يأتونه فيتعرّفونه ، فقال لهم وهو شديد الفرق : أفصلوا عليّ ، قد أخذتم ورقي فأمسكوا ، وأما طعامكم فلا حاجة لي به . فقالوا : من أنت يا فتى ؟ وما شأنك ؟ والله لقد وجدت كنزاً من كنوز الأوّلين ، وأنت تريد أن تخفيه عنا ، انطلق معنا فأرناه وشاركنا فيه نُخفِ عليك ما وجدت ؛ فإنك إن لم تفعل نأتِ بك السّلطان فنسلمك إليه فيقتلك . فلما سمع قولهم عجب في نفسه ، وقال : قد وقعت في كل شيء أحذر منه ، ثمّ قالوا : يا فتى ، إنك والله ما تستطيع أن تكتم ما حدث ، ولا تظن في نفسك أنك سنُخفي عليك . فجعل تمليخا ما يدري ما يقول لهم وما يرجع إليهم ، وفرق حتى ما يخبرهم شيئاً ، فلما رأوه لا يتكلم أخذوا كساءه وطوقوه في عنقه ، ثمّ جعلوا يقودونه في سكك المدينة مكبباً ، حتى سمع به من فيها ، فقيل : أُخذ رجل عنده كنز ، فاجتمع عليه أهل المدينة ، صغيرهم وكبيرهم ، فجعلوا ينظرون إليه ويقولون : والله ما هذا الفتى من أهل هذه المدينة ، وما رأيناه فيها قط ، وما نعرفه . فجعل تمليخا ما يدري ما يقول لهم مع ما يسمع منهم ، فلما اجتمع عليه أهل المدينة فرق وسكت ولم يتكلم ، ولو قال إنه من أهل المدينة لم يُصدّق ، وكان مستيقناً أن أباه وإخوته بالمدينة ، وأن حسبه في أهل المدينة من عظماء أهلها ، وأنهم سيأتونه إذا سمعوا ، وقد استيقن أنه عشية أمس يعرف كثيراً من أهلها وأنه لا يعرف اليوم من أهلها أحداً . فبينا هو قائم كالحيران ينتظر متى يأتيه بعض أهله : أبوه أو بعض إخوته فيخلصه من أيديهم